مجمع البحوث الاسلامية

574

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ممكّنين إيّاهم . وقيل : ( حرما ) منصوب على الظّرفيّة ، والمعنى : أو لم نمكّن لهم في حرم ؛ و ( امنا ) صفة ( حرما ) أي حرما ذا أمن . وعدّ الحرم ذا أمن - والمتلبّس بالأمن أهله - من المجاز في النّسبة ، والجملة معطوفة على محذوف ، والتّقدير : أو لم نعصمهم ونجعل لهم حرما آمنا ممكّنين إيّاهم . وهذا جواب أوّل منه تعالى ، لقولهم : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا القصص : 57 . ومحصّله : أنّا مكّنّاهم في أرض جعلناها حرما ذا أمن تحترمه العرب ، فلا موجب لخوفهم أن يتخطّفوا منها إن آمنوا . ( 16 : 60 ) مكارم الشّيرازيّ : اللّه الّذي جعل هذه الأرض المالحة والمليئة بالصّخور ، والخالية من الأشجار والأنهار ، جعلها حرما تهفو إليه القلوب ، ويؤتى إليه بالثّمرات من مختلف نقاط العالم ، كلّ ذلك بيد قدرته القاهرة . فإنّ من له هذه القدرة ، وله هذا التّمكين للحرم ، والنّعم ليتمتّع بها ، من يرى كلّ ذلك بعينيه ويجد آثارها سنوات طوالا ، كيف لا يكون قادرا على أن يحفظكم من هجوم حفنة من الجاهلين عبّاد الأوثان ؟ ! فقد كنتم في زمان الكفر مشمولين بنعمتي اللّه العظيمتين : الأمن والمواهب المعاشيّة ، فكيف يمكن أن يحرمكم اللّه منهما بعد الإسلام ؟ ! لتكن قلوبكم قويّة فتؤمنوا وتقفوا شامخين ، فإنّ ربّ الكعبة وربّ مكّة معكم . هنا ، ينقدح هذا السّؤال ، وهو : إنّ التّأريخ يدلّ على أنّ حرم مكّة لم يكن آمنا للمسلمين للغاية ، ألم تعذّب طائفة من المسلمين في مكّة ؟ ألم يرموا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالأحجار الكثيرة ؟ ألم يقتل بعض المسلمين في مكّة ؟ ألم يهاجر جماعة من المسلمين من مكّة مع جعفر بن أبي طالب ، وجماعة آخرون مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله آخر الأمر ، لعدم الأمن في مكّة ؟ فنقول جوابا على ذلك : أوّلا : مع جميع هذه الأمور ما تزال مكّة أكثر أمنا من النّقاط الأخرى ، وكان العرب يحترمونها ويقدّسونها ، وبالرّغم من أنّهم كانوا يقدمون على جرائم متعدّدة في أماكن أخرى إلّا أنّهم كانوا يحجمون عن الإتيان بمثلها هناك في مكّة . والخلاصة : فمع عدم الأمن كانت مكّة من حيث الأمن ملحوظة نسبيّا ، ولا سيّما من الأعراب الّذين هم خارجها ؛ إذ كانوا يحترمونها . ثانيا : صحيح أنّ هذه الأرض الّتي جعلها اللّه حرما آمنا ، أضحت لفترة وجيزة غير آمنة على أيدي جماعة ، إلّا أنّها سرعان ما تحوّلت إلى معهد كبير للأمن الثّابت ، ومركزا عظيما للنّعم الكثيرة المتعدّدة . فعلى هذا لم يكن تحمّل هذه الصّعاب الّتي لا تلبث طويلا ، من أجل الوصول للنّعم العظيمة ، أمرا عسيرا ومعقّدا . وعلى كلّ حال ، فإنّ كثيرا ممّن يقلقون على منافعهم الشّخصيّة ، كالحارث بن نوفل ، لا يسلكون سبيل الهداية والإيمان ، في حين أنّ الإيمان باللّه والتّسليم لأمره ، لا يؤمّن المنافع المعنويّة لهم فحسب ، بل يؤمّن لهم المحيط الصّحيح والمنافع المادّيّة المشروعة ، وما إلى ذلك .